أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

232

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : لا منار له فيهتدى به ، فالمعنى على نفي السلطان والإنزال معا . و « سُلْطاناً » مفعول ل « ينزّل » . وقوله : وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ المخصوص بالذمّ محذوف أي : مثواهم ، أو النار . والمثوى : مفعل من ثويت أي : أقمت ، فلامه ياء ، وقدّم المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المثوى - وهو مكان الإقامة ، لأنه على الترتيب الوجودي يأوي ثم يثوي ، ولا يلزم من المأوى الإقامة ، بخلاف عكسه . قوله تعالى : صَدَقَكُمُ : « صدق » يتعدّى لاثنين ، أحدهما بنفسه والآخر بالحرف ، وقد يحذف كهذه الآية ، والتقدير : صدقكم في وعده كقولهم : « صدقته » الحديث ، و « في الحديث » . و « إِذْ تَحُسُّونَهُمْ » معمول ل « صَدَقَكُمُ » أي : صدقكم في ذلك الوقت ، وهو وقت حسّهم أي قتلهم . وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا للوعد في قوله : « وَعْدَهُ » ، وفيه نظر لأنّ الوعد متقدم على هذا الوقت . يقال : « حسسته أحسّه » أي : قتلته . وقرأ أبو عبيد : « تَحُسُّونَهُمْ » رباعيا أي : أذهبتم حسّهم بالقتل . و « بِإِذْنِهِ » متعلّق بمحذوف لأنه من فاعل « تَحُسُّونَهُمْ » أي : تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك . قوله : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ في « حَتَّى » هذه قولان : أحدهما : أنها حرف جر بمعنى « إلى » وفي متعلّقها حينئذ ثلاثة أوجه : أحدها : أنها متعلقة ب « تَحُسُّونَهُمْ » أي : تقتلونهم إلى هذا الوقت . والثاني : أنها متعلقة ب « صَدَقَكُمُ » ، وهو ظاهر قول الزمخشري قال : « ويجوز أن يكون المعنى : صدقكم اللّه وعده إلى وقت فشلكم » . والثالث : أنها متعلقة بمحذوف دلّ عليه السياق ، قال أبو البقاء : « تقديره : دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم » . القول الثاني : أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية ، و « إِذا » على بابها من كونها شرطية ، وفي جوابها حينئذ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه « وَتَنازَعْتُمْ » قال الفراء : « وتكون الواو زائدة » . والثاني : أنه « ثُمَّ صَرَفَكُمْ » و « ثُمَّ » زائدة ، وهذان القولان ضعيفان جدا . والثالث - وهو الصحيح - : أنه محذوف ، واختلفت عبارتهم في تقديره ، فقدّره ابن عطية : « انهزمتم » ، وقدّره الزمخشري : « منعكم نصره » ، وقدّره أبو البقاء : « بان لكم أمركم » ، ودل على ذلك قوله : « منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة » ، وقدّره غيره : « امتحنتم » ، وقدّره الشيخ « 1 » : « انقسمتم إلى قسمين ، ويدلّ عليه ما بعده ، وهو نظير : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ « 2 » . قال الشيخ : « لا يقال كيف يقال : انقسمتم إلى مريد الدنيا وإلى مريد الآخرة فيمن فشل وتنازع وعصى ؛ لأنّ هذه الأفعال لم تصدر من كلّهم بل من بعضهم » . واختلفوا في « إذا » هذه ، هل هي على بابها أم بمعنى « إذ » ؟ والصحيح الأول سواء قلنا إنها شرطية أم لا . قوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عطف على ما قبله ، والجملتان من قوله : « منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة » اعتراض بين المتعاطفين . وقال أبو البقاء : « ثُمَّ صَرَفَكُمْ » معطوف على الفعل المحذوف » يعني الذي قدّره جوابا

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 79 . ( 2 ) سورة لقمان ( 32 ) .